الواقع الافتراضي: استعراض من أساسات التكنولوجيا إلى الذراع والتطبيقات السريرية
المقدمة: الجذور التاريخية والتعريف المفاهيمي
الواقع الافتراضي (VR) هو نموذج تكنولوجي يتيح للمستخدم أن يختبر الشعور بالتواجد في بيئة رقمية مُصطنعة وتفاعلية، من خلال عزله عن بيئته الجسدية. وهذه القدرة ليست جديدة؛ إذ توجد أمثلة تمتد جذورها إلى ما يزيد على قرنين من الزمان. ففي القرن التاسع عشر، أنتج العديد من الفنانين لوحات بانورامية واسعة النطاق، مثل لوحة الفنان الأمريكي بنجامين ويست المعنونة «الوفاة على ظهر الحصان الشاحب» (1796)، ثم أنتج الخبراء فيما بعد صورًا سterieسكوبية (مجسمة) تولّد إحساسًا بالعمق على الصور المسطحة، ما يمنحها تأثيرًا ثلاثي الأبعاد. وكان الهدف المشترك لهذين العملين هو دعوة المشاهد للانغمار في المشهد البصري المعروض (جمعية الواقع الافتراضي، 2015).

تُعرَّف الحقيقة الافتراضية، التي ينبغي تعريفها رقمياً، على أنها: “واجهة مستخدم-حاسوب تتضمن المحاكاة والتفاعل في الوقت الفعلي عبر قنوات حسية متعددة … بما في ذلك [البصرية، السمعية، اللمسية، الشمسية، والتذوقية]” (بورديا وكوفيه، 2003، ص 3). ويكشف هذا التعريف بوضوح عن أن هذه التقنية لا تقتصر على العرض البصري وحده، بل تتضمن تكامل التغذية الراجعة الحسية المتعددة، مما يُظهر أن الحقيقة الافتراضية تواصل تلبية الرغبة البشرية المستمرة منذ قرون في “التجربة داخل واقع بديل”.
الميكانيزمات: المكونات التي تشكل الواقع الافتراضي
تعتمد أنظمة الواقع الافتراضي على عدة مكونات تكنولوجية أساسية متكاملة مع بعضها البعض لوضع المستخدم داخل البيئة الرقمية. ويمكن دراسة آلية عمل هذا النظام تحت ثلاث فئات رئيسية.
التصوير والعمق (الاستيريو سكوبي)
تكمن في صلب الواقع الافتراضي تقنية . فمن خلال تقديم زاويتين مختلفتين لكل من العينين، إما عبر شاشتين منفصلتين أو شاشة واحدة، تعيد هذه التقنية خلق إحساس العمق الذي يدركه الدماغ، مما يتيح للمستخدم الشعور بأن الأجسام المحيطة به ثلاثية الأبعاد. وتعمل إعدادات وإنتاج صورة منفصلة لكل عين على تفعيل تأثير التوازي المنظوري (Parallax)، مما يخلق إحساساً واقعياً بالعمق.
أنظمة التتبع (Tracking)
تتيح مستشعرات — والتي تشمل الجيروسكوبات ومقاييس المحاور — مزامنة عرض الصور مع حركات المستخدم، حيث تتتبّع هذه المستشعرات حركات رأس المستخدم في الوقت الفعلي. وتُعدّ أهمية انخفاض زمن التأخير في هذه الدورة أمراً بالغ الأهمية؛ إذ قد يؤدي زمن التأخير المرتفع إلى ظهور أعراض ما يُعرف بـ (السماق الحركي).
التغذية الراجعة الحسية المتعددة
تتجاوز الأنظمة الحديثة القنوات البصرية والصوتية لتشمل التغذية الراجعة اللمسية (اللمسية/اللمس) وأحياناً محاكاة حاسة الشم والتذوق. ويعزز هذا التعدد في الوسائط من تجربة التي تُسهّل على الدماغ تشفير البيئة الافتراضية على أنها حقيقية.
الأبعاد القطاعية: من التعليم إلى الثقافة والسياحة
على مدى العقدين الماضيين، كانت الواقع الافتراضي يخدم في الغالب كأداة لصناعة الألعاب؛ حيث ركزت تجارب المستخدم المطورة للأجهزة المتوافقة بشكل أساسي على الترفيه. ففي ثمانينيات القرن الماضي، قدمت نظارات Sega Master System ثلاثية الأبعاد ونظارة Nintendo Virtual Boy (1995) إمكانية تشغيل ألعاب مختارة في بيئات ثلاثية الأبعاد منخفضة الدقة؛ ومع ذلك، تسببت المبيعات الضعيفة وتجربة المستخدم السيئة في خفوت الحماس الأولي بشأن إمكانات الواقع الافتراضي لفترة من الزمن (Workman، 2014). أما في الخمس سنوات الأخيرة، فقد بدأت قطاعات خارج قطاع الألعاب في السعي بنشاط لإدماج هذه التقنية في مجالاتها، نظراً لتحسن جودة الأجهزة، والأجهزة الملحقة ذات الصلة، وتجارب البرامج التطبيقية، وزيادة إمكانيات التطبيق.
قطاع التراث الثقافي: التحول التعليمي للواقع الافتراضي
في قطاع المتاحف (الميراث)، استخدمت معظم المؤسسات التي سبقت السباق نحو الواقع المعزز هدفاً رئيسياً يتمثل في توسيع نطاق الوصول خاصةً للزوار البعيدين؛ في حين ركزت عدد قليل من المؤسسات على تقديم تجارب “الجولات الافتراضية”. ففي مثال معرض كورتولد بلندن، طورت المؤسسة تطبيق واقع معزز بالتعاون مع WoofbertVR، أعادت من خلاله إنشاء غرفة ولفسون (Wolfson Room)، ووفرت ل المستخدمين عبر سماعات Samsung Gear VR إمكانية استكشاف اللوحات الانطباعية وما بعد الانطباعية وفق رغباتهم الخاصة. وبالمثل، تعاون معرض دلتش للصور بلندن مع معهد Google للثقافة لإنشاء جولة افتراضية سلسة، كانت في البداية تمثل مبادرة للوصول إلى المرضى الشباب المقيمين في المستشفيات والذين لا يستطيعون زيارة المتاحف جسدياً.
بدأت بعض المؤسسات العاملة في هذا المجال تحاول إنتاج تجارب تحاول إخراج أشياء المجموعات من مجالات العرض أو الأرشيف وإعادة تموضعها في بيئاتها التاريخية الأصلية. ففي أبريل 2015، نظّم متحف Great North Museum: Hancock في نيوكاسل، بالتعاون مع Chronicles VR، فعالية عرض تجريبية، موفرةً للزائرين فرصة استكشاف فيلا يونانية افتراضية تضم خمسة عشر عملاً من مجموعة المتحف من الخزفيات، وذلك باستخدام سماعات Oculus Rift.
في هذا السياق، يُبرز نهج المتحف البريطاني: ففي صيف عام 2015، سمحت وحدة التعليم في المتحف المعروفة باسم مركز سامسونج الرقمي للاكتشاف (SDDC) للجمهور بالوصول إلى الواقع الافتراضي خلال «أسبوع نهاية الأسبوع بالواقع الافتراضي» الذي أُقيم في «الساحة الكبرى»، وذلك من خلال سماعات سامسونج Gear VR وأجهزة Galaxy اللوحية وقبة غامرة. وبذلك أصبح المتحف البريطاني أحد أول المتاحف في العالم التي أدرجت التكنولوجيا في برنامجها التعليمي. ويُدير مركز SDDC برنامج تعلّم رقمي يقدم للعوائل والأطفال والطلاب الزائرين كلًا من الأنشطة القابلة للدخول والخروج (drop-in) والجلسات القابلة للحجز خلال أيام الأسبوع وفي كل أسبوع نهاية أسبوع، حيث يستخدم الجلسات أدوات متعددة الأجهزة والبرمجيات الرقمية لتحفيز المشاركين على استكشاف المجموعة والانخراط فيها والاستجابة لها. وقد أدرج هذا المشروع التكنولوجيا الخاصة بالواقع الافتراضي في برنامجه لأول مرة خلال فعالية أسبوع نهاية أسبوع في 8-9 أغسطس 2015، مما أتاح للأطفال والشباب والمدارس والعوائل استكشاف قيمة بيئات الواقع الافتراضي على التعلّم.
قطاع السياحة: إمكانات السفر عبر الزمن
تأتي الأمثلة على التطبيقات الجديدة من قطاع السياحة؛ فهذا القطاع يقدر قيمة نقل المستخدمين من محيطهم الحالي إلى أي مكان في العالم. ففي ربيع عام 2015، قدّمت هيئة السياحة في جنوب أفريقيا لزوار عدد من الحانات المحددة في مانشستر ولندرا تجربة واقع افتراضي مدتها خمس دقائق، تضمنت “عطلة مليئة بالإثارة تتضمن النزول بالحبل على جبل تابل في كيب تاون والغوص داخل قفص مع أسماك القرش”. وغالباً ما يرتبط هذا الاستخدام بالتسلية؛ ومع ذلك، كتب جيسون كينغلي (2015) في صحيفة «الغارديان»: “لماذا نحد من السياحة بالواقع الافتراضي بما هو عليه اليوم فقط؟ إن أكبر إمكاناتها تكمن في سياحة السفر عبر الزمن.” وقد بدأت المتاحف والمعارض جهوداً مبكرة لاستكشاف هذا الإمكان.
الأبعاد السريرية: التطبيقات العلمية في العلاج والتأهيل والتعليم
لا يقتصر أهمية الواقع الافتراضي العلمي على الترفيه أو التراث الثقافي فحسب، بل يظهر قيمة مبنية على الأدلة في التطبيقات السريرية. في هذا القسم، سنستكشف دور هذه التكنولوجيا في التعليم الصحي.
التعليم في مجال الجراحة والصدمات
تتيح المحاكاة الافتراضية بيئات تسمح للجراحين بتكرار الإجراءات المعقدة دون المخاطرة. وتساعد هذه الأنظمة طلاب الطب على تطوير مهاراتهم الحركية في بيئة آمنة، من خلال تجاوز قيود تجربة غرفة العمليات (مثل سلامة المرضى وإمكانية الوصول).
التأهيل الفيزيائي
في المرضى الذين يعانون من الشلل أو الصدمات، تعمل بروتوكولات التأهيل القائمة على الواقع الافتراضي على زيادة امتثال المريض من خلال تحويل تمارين الحركة المتكررة إلى أنشطة مبنية على الألعاب. وتُمكّن حلقات التغذية الراجعة والمهام البصرية المحفّزة من إجراء تدري مكثّف يدعم المرونة العصبية.
العلاج النفسي: اضطرابات القلق واضطراب ما بعد الصدمة
العلاج القائم على الواقع الافتراضي (VRT) يُستخدم في علاج علاج التعرض للفوبيا؛ حيث يتعرض المريض بشكل تدريجي ومنظور إلى كائن أو وضع مخيف بشكل افتراضي في بيئة سريرية آمنة. يساهم هذا النهج في إدارة الحالات مثل من خلال دعم عمليات معالجة الحدث الصادم.
النتائج الأكاديمية: تقييم مستقبلي
تُعدُّ الواقع الافتراضي جزءًا من استمرارية امتدت لأكثر من مئتي عام، بدءًا من اللوحات البانورامية والصور الفوتوغرافية المجسّمة، وصولًا إلى الواجهات الرقمية التي توفّر محاكاة في الوقت الفعلي عبر قنوات حسّية متعددة اليوم. إن انتشار هذه التكنولوجيا من صناعة الألعاب إلى مجالات التراث الثقافي والسياحة، وعلى وجه الخصوص المجال الصحي، يكشف عن أن إمكاناتها لا تقتصر على الترفيه وحسب. لقد فتحت تطبيقات مثل مثال المتحف البريطاني مجالًا جديدًا مفتوحًا للبحث في قيمة دمج الواقع الافتراضي في عمليات التعلّم، خاصة فيما يتعلق بالأطفال والشباب والمدارس والأسر؛ ويجب تقييم هذا البحث بشكل خاص في سياق تفاعل زائري المتحف مع المجموعات.
في الأدبيات العلمية، يُعد مفهوم ، الذي يشعر فيه المستخدم بأنه موجود فعلاً داخل البيئة الرقمية، المفهوم الأساسي الذي يحدد نجاح الواقع الافتراضي، والعلاقة بين هذا التجربة والتعلم/الاستيعاب تحتاج إلى أبحاث أكثر شمولاً. أما القيمة المبنية على الأدلة لهذه التكنولوجيا في التطبيقات السريرية، فيجب التحقق منها من خلال دراسات طويلة الأمد ومضبوطة.
التقييم الأكاديمي والمراجع
تتناول هذه المقالة الواقع الافتراضي في إطار شامل من حيث المكونات التكنولوجية (عرض الصور المجسّمة، وأنظمة التتبع، وتغذية راجعة متعددة الحواس)، والجذور التاريخية، والمجالات التطبيقية الصناعية والسريرية. وقد تم دمج المصادر التي تشمل كلًا من دراسات الميدان في سياق ثقافة المتاحف (تجربة المتحف البريطاني)، والمصادر الأكاديمية والمتخصصة اللازمة لتعريف التكنولوجيا وتاريخها الصناعي.
المراجع:
- بورديا، ج. ك.، وكوفيه، ب. (2003). (الطبعة الثانية). دار وايلي-آي إي إي للنشر.
- بولد، ج. (2015). تجربة السياحة في جنوب إفريقيا باستخدام الواقع الافتراضي — مصدر مرجعي ( عبر مصادر الأخبار ذات الصلة).
- كينغزلي، ج. (2015). . تعليقات حول السياحة في الواقع الافتراضي.
- سلايد، م.، وريشاردز، د. (2016). الواقع الافتراضي في المتحف البريطاني: تجربة جديدة وناشئة للزوار. ، 5(3)، 249–262.
- سليتر، م.، وسانشيز-فيفيس، م. ف. (2016). تعزيز حياتنا بالواقع الافتراضي. .
- جمعية الواقع الافتراضي. (2015). نظرة تاريخية على الواقع الافتراضي — في سياق اللوحات البانورامية والصور الفوتوغرافية المجسّمة.
- وُركمان، ج. (2014). المرحلة المبكرة من تكنولوجيا الواقع الافتراضي: مراجعة لنظارات «سيجا ماستر سيستم» ثلاثية الأبعاد ونظارة «نينتندو فيرتشال بوي».
ملاحظة: يحمل هذا النص طابع الدراسة الأكاديمية؛ فقد تم تمييز جميع المصطلحات التقنية الواردة في المقال (مثل التصوير المجسم، وتتبع وحدة القياس القصوري، وإحساس بالحضور، ودوار الحركة) بتنسيق الخط العريض، كما أُدرجت المراجع ذات الصلة في قسم قائمة المصادر.
ملاحظة المصدر: تم إعداد هذه الدراسة وتحديثها بتنسيق مراجعة فنية أكاديمية استناداً إلى الوثائق المحفوظة من الرابط http://mw2016.museumsandtheweb.com/paper/virtual-reality-at-the-british-museum-what-is-the-value-of-virtual-reality-environments-for-learning-by-children-and-young-people-schools-and-families/.
Have thoughts, questions, or benchmarks on this topic? Join the discussion on our forums.
Join Discussion ➔
Rejoignez la conversation